أبي حيان الأندلسي
66
البحر المحيط في التفسير
بِهِما ، قرأ الجمهور : أن يطوّف . وقرأ أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر : أن لا ، وكذلك هي في مصحف أبي وعبد اللّه ، وخرج ذلك على زيادة لا ، نحو : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ « 1 » ؟ وقوله : وما ألوم البيض أن لا تسخرا * إذا رأين الشمط القفندرا فتتحد معنى القراءتين ، ولا يلزم ذلك ، لأن رفع الجناح في فعل الشيء هو رفع في تركه ، إذ هو تخيير بين الفعل والترك ، نحو قوله تعالى : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا « 2 » . فعلى هذا تكون لا على بابها للنفي ، وتكون قراءة الجمهور فيها رفع الجناح في فعل الطواف نصا ، وفي هذه رفع الجناح في الترك نصا ، وكلتا القراءتين تدل على التخيير بين الفعل والترك ، فليس الطواف بهما واجبا ، وهو مروي عن ابن عباس ، وأنس ، وابن الزبير ، وعطاء ، ومجاهد ، وأحمد بن حنبل ، فيما نقل عنه أبو طالب ، وأنه لا شيء على من تركه ، عمدا كان أو سهوا ، ولا ينبغي أن يتركه . ومن ذهب إلى أنه ركن ، كالشافعي وأحمد ومالك ، في مشهور مذهبه ، أو واجب يجبر بالدم ، كالثوري وأبي حنيفة ، أو إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم ، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين ، كأبي حنيفة في بعض الرّوايات ، يحتاج إلى نص جلي ينسخ هذا النص القرآني . وقول عائشة لعروة حين قال لها : أرأيت قول اللّه : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ، فما نرى على أحد شيئا ؟ فقالت : يا عرية ، كلا ، لو كان كذلك لقال : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما . كلام لا يخرج اللفظ عما دل عليه من رفع الإثم عمن طاف بهما ، ولا يدل ذلك على وجوب الطواف ، لأن مدلول اللفظ إباحة الفعل ، وإذا كان مباحا كنت مخيرا بين فعله وتركه . وظاهر هذا الطواف أن يكون بالصفا والمروة ، فمن سعى بينهما من غير صعود عليهما ، لم يعد طائفا . ودلت الآية على مطلق الطواف ، لا على كيفية ، ولا عدد . واتفق علماء الأمصار على أن الرّمل في السعي سنة . وروى عطاء ، عن ابن عباس : من شاء سعى بمسيل مكة ، ومن شاء لم يسع ، وإنما يعني الرمل في بطن الوادي . وكان عمر يمشي بين الصفا والمروة وقال : إن مشيت ، فقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمشي ، وإن سعيت ، فقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسعى . وسعى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينهما ليرى المشركين قوته . فيحتمل أن يزول الحكم بزوال سببه ، ويحتمل مشروعيته دائما ، وإن زال السبب . والركوب في السعي بينهما مكروه عند أبي حنيفة
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 12 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 230 .